عدسة على الموت
تصوير الموتى طقس فيكتوري غريب يخلد الذكرى ويواجه الفقدان

بقلم/ نهى الغامدي

يتبنى البشر دوما بعض العادات الغريبة، لأسباب قد تكون معقولة وقد تكون غريبة، في هذا المقال سنأخذكم للتعرف على إحدى العادات الغريبة التي انتشرت في  العصر الفيكتوري الذي كان حافلاً بالغرائب التي جاءت بعد عصر النهضة، وأبرزها تصوير الموتى.

حسنًا تبدو الفكرة مرعبة نوعًا ما، فمن غير المعتاد، ويصل إلى درجة الاستهجان، أن نلتقط صورة لجسد الميت أو وجهه، لكن مع ذلك كان التصوير الفوتوغرافي بعد الوفاة ممارسة شائعة من باب الحب والاحترام، حيث أن بقاء شيء من ذكريات الميت ولو صورة تعتبر وسيلة جيدة لإحياء ذكراه وتخفيف حدة الحزن.

بدأ تصوير الموتى بعد وقت قصير من ظهور التصوير الفوتوغرافي والذي بحلول عام 1839 م تطورت صناعته وآساليبه على يد العالم الفرنسي داجير  والذي ابتكر عملية الداجيروتايب أمام الجمهور في اجتماع للأكاديمية الفرنسية للعلوم في باريس ونسبت له، حيث استغلت التصوير عائلات الطبقة الوسطى التي لا تستطيع تحمل رسم أحد أفرادها الموتى لتخليد ذكراه، في حين كانت الطبقات الأكثر ثراءً فقط هي القادرة على تحمل تكاليف ترف صورة مرسومة باهظة الثمن أو صورة منحوتة لأفراد الأسرة أو أصدقائها، ولأن حياة الفيكتوريين مليئة بالموت فقد كانوا يموتون في سن مبكرة، ويموتون متأثرين  بالأوبئة مثل الحصبة الألمانية و التيفوس والكوليرا، والإصابات والالتهابات التي ساعد الطب الحديث في القضاء عليها، فقد ابتكروا طقوس حزن متقنة لإعطاء معنى لحياة أحبائهم الذين أخذهم الموت منهم، لذلك كانت الصور الفوتوغرافية للمتوفى هي الصور الوحيدة التي يمكن من خلالها تذكرهم.

لم يهدف التصوير الفوتوغرافي بعد الوفاة إلى التقاط صورة المتوفى فقط، بل حاول المصورون في كثير من الأحيان جعل المتوفى يبدو حيًا. وقد بُذلت جهود كبيرة لوضع المتوفى في أوضاع تشبه الحياة حيث كان يتم وضعه في أماكن مع أفراد الأسرة والأصدقاء والكلاب وحتى الماشية، وتضمنت وضع الأطفال المتوفين مع أشقاء أحياء أو دمى أو ألعاب مفضلة أو حيوانات محشوة. حيث أُطلق على هذه المشاهد المؤثرة اسم "لوحات الحداد" وحاولوا جعل الصورة الوحيدة للموتى واقعية أكثر و بطريقة مثيرة للذكريات مثل، زوج يحمل زوجته المتوفاة، وأم تحمل رضيعًا ميتًا، وإخوة يتحلقون حول أختهم أو أخيهم المتوفى، تم تصوير بعض الأشخاص مع كتابهم المفضل، الكتاب المقدس، أو الصليب، أو المسبحة، أو الزهور. 

استخدم المصورون في ذلك الوقت التصوير تقنيات أخرى لإضفاء جو الحياة بعد الموت على شكل الجثة ومحاولة إخفاء علامات التحلل. كإضافة المكياج لتخفيف شحوب الشخص المتوفى بخدود أو شفاه وردية، أو تكحيل العين ورسمها إن كانت مغلقة، حيث سعوا إلى رسم إيحاءات مؤثرة لوجه "النوم الأخير" الذي يرمز إلى الانتصار بعد الموت، كما جاء في قصيدة الشاعر الفيكتوري الشهير جون دون "لاتكن فخورا أيها الموت" التي يواجه فيها الموت باعتباره شخصًا والتي ذكر فيها

نوم قصير، وبعدها نستيقظ للأبد حيث لا موت بعدها لأنك عندها ستموت أيها الموت.

استمرت هذه العادة حتى القرن التاسع عشر، حيث تطورت فكرة تقديم الميت لتصويره فصارت الأمهات تحملن أطفالهن حديثي الولادة  "مفتوحي الأعين أو بوضعية النوم" مع النظر إلى الكاميرا، وكان التركيز غالبًا على وجه الأم لقياس درجة تحملها لحمل رضيعها الميت، أو تجتمع العائلة يتوسطها الميت "فاتحا عينينه" وكأنه لم يعرف الموت قط، وقد كان تزايد الطلب على لوحات "الحداد الأخير" في العصر الفيكتوري سببًا في كثرة المصورين  في ذلك الوقت حيث كتبت عالمة الأدب الفيكتوري نانسي م. ويست ، "كان الناس أكثر استعداداً لدفع بضعة دولارات في مقابل لوحة داجيروتايب تخليداً لذكرى وفاة أحد أفراد أسرتهم مقارنة بإحياء ذكرى زواج أو ولادة"، حيث كان السبب بسيطًا: كان الموت موجودًا في كل مكان، وكان هناك تفشي لأمراض شديدة العدوى ومميتة، وكانت تلك الوسيلة لمواجهة الموت. ولم تقتصر هذه العادة على أوروبا فقط بل انتشرت للعديد من القارات، اعتقادًا منهم أنها حلقة وصل بينهم وبين الموتى للتواصل معهم.

وعلى الرغم من أنه قد يبدو كما لو أن التصوير الفوتوغرافي بعد الوفاة هو من بقايا زمن ماضٍ وتوقف بنهاية العصر الفيكتوري، إلا أنه خلال البحث في هذا الموضوع اتضح أنه لا يزال جزءًا حتى اليوم من عملية الحزن بالنسبة للكثيرين، حيث يوجد  حساب في أحد مواقع التواصل الاجتماعي  لمصورة تقوم بتصوير الأطفال حديثي الولادة الميؤوس من حالتهم أو المتوفين،وهو  ما يؤكد استمرار هذه العادة حتى اليوم رغم غرابتها، فقد تكون نابعة من الرغبة الإنسانية في الاحتفاظ بذكريات شخص كان هنا وليس هنا، أو كعلامة على وجوده


ماريا محمد
مدققة لغوية
ماريا محمد
رئيس التخطيط والتطوير
نهى الغامدي
محررة / كاتبة محتوى
نهى الغامدي
محررة / كاتبة محتوى
خلود البناء
منتجة وسائط متعددة
خلود البناء
منتجة وسائط متعددة